الرئيسية / تقارير / انتباه ..السياحة المصرية … قاطرة التنمية المتوقفة

انتباه ..السياحة المصرية … قاطرة التنمية المتوقفة

المنوفية: بسام سمير الرميدي

مصر … هي أرض الحضارات … مهد الرسالات … مركز الإشعاع … أرض الفراعنة … وطن العلماء … النيل … الوحدة الوطنية…. فمصر هي أم الدنيا.

مصر حباها الله بالعديد من عناصر الجذب السياحي الطبيعية والصناعية، إلا أنها لم تنل النصيب المناسب لقيمتها من حركة السياحة العالمية. والجدير بالذكر أن ثورتي 25 يناير2011 و30 يونيو 2013 قد أحدثتا بعض الاضطرابات الأمنية والسياسية وكذلك الاقتصادية، والتي انعكست سلباً علي حركة السياحة الوافدة إلي مصر. وخلال تلك الفترة وتحديداً من بداية 25 يناير 2011 وحتى الآن فرضت كثير من الدول الأجنبية بعض القيود علي رعاياها للسفر إلي مصر نظراً لسوء الأوضاع الأمنية والسياسية، ولعل حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء في نهاية عام 2015 من أهم الأحداث التي أثرت علي حركة السياحة إلي مصر بالسلب وخاصة السياحة الروسية، فقد ألقت هذه الحادثة بظلالها علي السياحة المصرية، حيث أجلت أكثر من دولة رعاياها من مصر وأصدرت تحذيرات للسفر إلي مصر، وكذلك إلغاء غالبية شركات السياحة العالمية رحلاتها إلي مصر، ومع حدوث تعافي للسياحة المصرية خلال بعض الفترات منذ ثورة يناير، إلا أن تدهور الأوضاع الأمنية أحياناً يعيد الاضطراب إلي السوق السياحي المصري.

وباستعراض حجم الحركة السياحية الوافدة إلي مصر، نجد أن أعداد السائحين الوافدين إلي مصر تأثر بشكل كبير بعد ثورتي يناير ويونيو، حيث بلغ عدد السائحين عام 2008 حوالى 12مليون، وفي عام 2010 بلغ حوالى 14 مليون سائح ، في حين انخفض هذا العدد حوالى 5 مليون سائح مع قدوم عام 2011، حيث بلغ عدد السائحين في ذلك العام حوالي 9 مليون سائح، ولكن مع قدوم عام 2012 ازداد العدد وبلغ حوالى 11 مليون، إلا أن هذا العدد انخفض مرة أخرى خلال عامي 2013 و 2014 وبلغ حوالى 9 و 9.6 مليون سائح علي الترتيب. وباستعراض الإيرادات السياحية أيضاً، نلاحظ انخفاضها بشكل ملحوظ، حيث بلغت الإيرادات السياحية عام 2008 حوالى 10 مليار و 985 مليون دولار، ووصلت إلي 12 مليار و528 مليون دولار خلال عام 2010، ولكنها انخفضت بحوالي 3 مليار دولار في عامي 2011 و 2012 وبلغت 9 مليار و940 مليون دولار عام 2011، و9 مليار و940 مليون دولار عام 2012. ولكنها عاودت الانخفاض وبشكل حاد خلاص عامي 2013 و2014، حيث بلغت 6 مليار و47 مليون دولار عام 2013، و7 مليار و208 مليون دولار عام 2014، أى أن الإيرادات السياحية انخفضت أكثر من 5 مليار دولار مقارنة بعام 2010.

تراجع حجم الحركة السياحية الوافدة إلي مصر لم يكن بسبب الاضطرابات الأمنية والحوادث الإرهابية فحسب، لأن هناك كثير من الدول التي حدثت بها العديد من الحوادث الإرهابية والتي أودت بحياة المئات ولم تتأثر بها حركة السياحة مثل إنجلترا وفرنسا وبلجيكا وتركيا، ولكن أيضاً بسبب القصور من جانب المسئولين عن إدارة ملف السياحة المصرية. فمصر لها العديد من مكاتب التنشيط السياحي المنتشرة في أنحاء العالم ولا نعلم لها دوراً فعالاً في زيادة حركة السياحة المصرية، فإذا ما توفر لدي دولة أخري كل هذه المكاتب سنجدها في طليعة الدول المستقبلة للسائحين عالمياً، بجانب التخبط في القرارات داخل المؤسسات المسئولة عن إدارة قطاع السياحة، فنجد أن هناك قرارات يتم اتخاذها صباحاً ويتم إلغائها بعدها بسويعات، فعلي أي أساس تم اتخاذها ولماذا تم إلغائها. الجدير بالذكر أن مصر أطلقت العديد من المبادرات لتنشيط حركة السياحة، وقامت بتخفيض الأسعار ولكن دون جدوي، والسبب في ذلك غياب الإستراتيجيات التسويقية الحديثة التي تخاطب جميع اللغات وجميع فئات السائحين بكافة رغباتهم واهتماماتهم، وتسعي إلي تغيير الصورة المتكونة في أذهان جميع السائحين عن مصر. كما لا يوجد تطبيق عملي وفعلي وناجح لإدارة الأزمات، فمع حدوث أي أزمة نجد تخبط شديد في التصريحات والمؤتمرات الصحفية التي تزيد من حجم الأزمة ولا تعالجها، بجانب عدم وجود خطة للطوارئ والتنبؤ بالأزمات التي من الممكن أن تحدث، وكيفية التعامل معها وتقليل آثارها السلبية، فكل ما نقوم به هو رد فعل، والأكثر من ذلك أنه رد فعل متأخر بشكل كبير وخاطئ في كثير من الأحيان.

وهذا يحتم علي الدولة والمسئولين عن السياحة في مصر أن يبذلوا المزيد من الجهد لتنشيط حركة السياحة الوافدة إلي مصر من خلال بعض المقترحات التالية:
1- العمل أولاً علي تحسين صورة وسمعة مصر في الخارج، وأن مصر بلد الأمن والأمان، وأن الوضع في مصر مستقر، وأن مصر ترحب بجميع الراغبين في زيارتها.

2- ضرورة الابتعاد عن وضع بعض الشعارات الغير إيجابية علي شاشات الفضائيات مثل شعارات “مصر تحارب الإرهاب”، “سنهزم الإرهاب” وغيرها من الشعارات التي تؤثر علي صورة مصر في الخارج، وتكون انطباعاً لدي الدول وشعوبها بأن مصر بلد غير مستقر أمنياً وبها حوادث إرهابية كثيرة.

3- تنويع المنتج السياحي مصري، وألا يقتصر تسويق السياحة المصرية علي أنها سياحة الشواطئ والسياحة الثقافية فقط، فمصر لديها الكثير من الإمكانات التي تساعدها علي النجاح في تسويق السياحة الدينية (إحياء طريق العائلة المقدسة علي سبيل المثال)، السياحة الرياضية، سياحة المؤتمرات، السياحة العلاجية وقد بدأت مصر طريقها في الترويج لهذا النمط السياحي، سياحة السفاري والمغامرات، السياحة الطبيعية، وكذلك السياحة العسكرية أو السياحة السوداء (منطقة العلمين علي سبيل المثال).

4- وضع إستراتيجية تسويقية قصيرة وطويلة المدى تستهدف الوصول إلي الأسواق السياحية الناشئة مثل السوق الكوري والياباني والصيني ودول شرق آسيا، بجانب الاتجاه إلي بعض الدول الإفريقية، وعرض المنتج السياحي المصري بطريقة مختلفة وجذابة وقادرة علي إقناعهم علي زيارة مصر، بدلاً من الاعتماد علي سوق واحد وهو السوق الروسي والذي تأثر كثيراً بحادث سقوط الطائرة الروسية. فإذا ما اعتمدنا علي عدد كبير من الأسواق سيكون لدينا الكثير من البدائل التي نستهدفها، ونحقق من ورائها تنمية سياحية واقتصادية واجتماعية كبيرة.

5- وجود إدارة للأزمات والطوارئ حقيقية ولها دور فعال علي أرض الواقع، تكون مهمتها وضع الخطط والإستراتيجيات للتعامل مع أي أزمة طارئة وبشكل احترافي، بجانب وضع خطط للتعامل مع الأزمات المتوقع حدوثها، وأن يكون لنا الفعل مسبقاً وليس رد الفعل.

6- الاعتماد في تسويق المنتج السياحي المصري علي المصريين أنفسهم، فهم أولي من غيرها ببلدهم. فمصر بها العديد من الكفاءات والخبرات التسويقية ولديهم القدرة علي القيام بحملات تسويقية ناجحة تحقق عائداً كبيراً للدولة، وتعود علي السياحة المصرية بالخير بدلاً من الاعتماد علي بعض الشركات الخارجية والتي أثبتت التجربة فشلها بالفعل.

7- توفير الدعم والاستثمارات اللازمة لزيادة الحصة السوقية من خلال استخدام وسائل الإعلام والترويج واستحداث أنشطة سياحية جديدة. وفي ضوء ذلك فإن الخيار الإستراتيجي المناسب هو إتباع إستراتيجية البناء، وهي إحدى إستراتيجيات النمو لزيادة الحصة السوقية أكثر مما هو عليه الآن، وقد يصاحب الاعتماد علي هذه الإستراتيجية انخفاض الربحية علي المدي القصير، ولكن لا يوجد خيار أخر يمكن الاعتماد عليه، حيث أن تعظيم الأرباح المستقبلية يمكن أن يعوض مقدار الخسارة. ولكن لابد وأن تكون هناك دراسة مستمرة ودقيقة وبشكل تفصيلي عن معدلات الزيادة في أعداد السائحين بعد اعتماد تلك الإستراتيجية، للتعرف علي مراحل تطور أو نمو الحصة السوقية لتجنب حالات الفشل. وفي هذا الصدد يجب علي المسئولين عن السياحة في مصر أن تأخذ بعين الاعتبار بعض المتغيرات ذات العلاقة بالمنافسة مثل الأوضاع الأمنية والسياسية، طبيعة المنتج السياحي لمصر ولمنافسيها، الحصة السوقية بالنسبة لكل منافس ، معدلات النمو في حركة السياحة، مستويات الدخول …. وغيرها من المتغيرات.

8- التركيز علي العوامل الخارجية التي تمثل وسائل ضغط قد تكون خارجة عن سيطرة الدولة والمسئولين، مثل تحذيرات السفر المستمرة التي تطلقها الدول المصدرة للسائحين لرعاياها من خطورة السفر إلي مصر، وكذلك إيقاف الرحلات الجوية إلي مصر، وإلغاء شركات السياحة الأجنبية رحلاتها إلي مصر. هذا بجانب بعض العوامل الخاصة بالسائحين أنفسهم مثل سلوكياتهم، وتغير رغباتهم واحتياجاتهم، وتغيير القدرات الشرائية لهم، بالإضافة إلي القلق والتوتر من السفر إلي مصر في ظل الظروف الأمنية المضطربة التي تعيشها مصر خلال بعض الفترات … وغيرها من العوامل التي تتطلب ضرورة تبني إستراتيجية قوية قادرة علي استيعاب هذه العوامل لضمان المحافظة علي مركزها التنافسي وتدعيمه وتطويره.

وخلاصة القول؛ أن المنتج السياحي المصري يتمتع بمركز تنافسي قوي ولديه الإمكانية والقدرة لتحقيق أرباح عالية، وبالتالي يجب أن يأخذ الأولوية القصوى في التمويل والدعم والإعلان والتسويق، وضرورة تحسين الأوضاع الأمنية، وفتح قنوات الحوار الجاد مع الدول الأجنبية المصدرة للسائحين، والتأكيد علي أن مصر كانت ولازالت بلد الأمن والأمان، حتى تستعيد مصر مكانتها السياحية التي تستحقها.

وختاماً؛ يحضرني بعض الكلمات التي قرأتها منذ أكثر من عشر سنوات ومازالت عالقة في ذهني، وكتبها الأستاذ ماهر السيسي خبير الطيران الدولي:
“إن نصيب مصر من حركة السياحة العالمية لا نطلبه بدون وجه حق بل نطلبه بكل قوة، قوة الحضارة والتاريخ، قوة من قدموا للإنسانية منذ فجر التاريخ أعظم تراث، قوة شعب يكرم ضيفه، شعب يحترم الأديان، يحب السلام، يسعي للخير والحق والعدل، شعب عشق الحضارة والبناء منذ القدم، شعب يحرم الحرب والدم والهدم. هذا الشعب الذي قدم للعالم كل هذا التراث وكل هذه الحضارة لا يمكن إلا أن يكون شعباً محبا للسلام والإنسانية، إن شعباً له مثل هذا التاريخ …. لن تغيب عن حركة السياحة العالمية أبداً”.

د/ بسام سمير الرميدي – كلية السياحة والفنادق – جامعة مدينة السادات

عن afandy